Tuesday, July 25, 2017

حرباً أم لعبة


انه چين حب الحياة او لكي لا تختلط المعاني مع ما سنتحدث عنه لاحقا فلنكن اكثر وضوحا ونسميه جين حب البقاء، ولنبدأ الحديث بكلمة شكر لهذا الچين الذي لولاه ما كنا انا ولا انت لنخوض في هذا الحديث , لولاه ماوُجدنا من الاساس. انه الچين الذي منح أسلافنا تلك القوة الخارقة التي مكنتهم من البقاء حتى وُجدنا، وهو نفس الجين الذي يمنحنا نفس القوة للبقاء لنوجد ابناءنا واحفادنا.



ولأن الحياة ليست عادلة بالقدر الكافي فمن سوء حظنا كبشر او ككائنات حية في هذا الكوكب ان هذا الجين لم يكن مصاحبا بجين اخر مسؤولا عن حب الحياة او الرضا بها. وكأن الطبيعة قد ادركت انه لا حاجة لأي كائن بشري لأن يحب الحياة, فيكفي فقط هذا الجين المحب للبقاء ليجعل منه كائنا ابلهاً يحارب من أجل البقاء حتى وان كان يمقت حياته ويتمنى الموت.



فإذا نظرت لردة فعل ذاك الشاب الصومالي الذي يعيش في مجاعة وربما يكره تلك الحياة ويتمنى الموت، وهذا الثري المتنعم الذي يشرب كأس النبيذ جالسا بجوار حمام السباحة في قصره الجميل؛ لحظة سماع صافرة قطار مقترب او رؤية سبعٍ قادم فلن تجد اختلافا كبيرا في ردة الفعل وحرص كليهما على البقاء. نعم فتأثير هذا الجين اقوى بكثير من حبك لحياتك او كراهيتك لها او حتى هاجس رغبتك في الانتحار. هي معادلة اشبه بحاصل جمع او طرح اي رغبة اضافية في الحياة او الموت مع الرغبة اللانهائية في البقاء.



وربما يرجع الفضل لهذا الجين في كراهية البشر للموت والخوف والذعر منه. بالتأكيد، فأن تحارب من اجل البقاء أي انك  تحارب هربا وخوفا من الموت. يمكن ان يعتبر البعض الحياة في حد ذاتها صراعاُ او حربا مع الموت، تبقى حيا مادمت فائزاً، ولأنه ليس من الطبيعي ان تفوز في كل المعارك فمن الجيد ان تدرك ان الخسارة قائمة وستحدث شئت ام ابيت، فهذا الذعر المبالغ فيه من خسارة مؤكد انها ستحدث هو درب من دروب الجنون. انا هنا لا لأتحدث عن ثقافة حب الموت فهي فكرة مختلة -في نظري- والنصيحة بها اساساً غير قابلة للتنفيذ فهي ضد طبيعتنا التي يحركها رغبة البقاء،  فالفارق كبير بين ألا تكره الموت وأن تحبه, فنظرة الحرب تلك والصراع مع الموت ربما ليست النظرة المثلى خاصة انك شخصاً عاقلا تدرك انك ستُهزم فالنهاية.



إذا كنا ندرك جميعا وجوب حب الحياة كصديق وَفِي يرافقنا طيلة اعمارنا ويتركنا لحظة الموت, فمن باب اولى ألا نكره الصديق الأوفي الذي سيلازمنا إلى الأبد ولن يتركنا (الموت). وربما نظرة الحرب مع الموت ليست فقط مجنونة, فليس لعاقلاً ان يخوض حرباً يعلم مسبقاً بخسارته فيها كما اشرنا،  فيصبح كأطفال ورضع الجنس البشري الأغبياء الذين يقاوموا امهاتهم صارخين عندما يوضعوا في أسِرّتهم رافضين كارهين للنوم في حرب ساذجة مصيرها النوم وغرضها الاستمتاع باليقظة التي سيسلبها النوم منهم والتي سيحاربون مجددا صبيحة اليوم التالي هربا منها (اقصد الاستيقاظ والحياة) ورغبة في الاستمتاع بمزيد من النوم.



ربما لم يحالفني الحظ -حتى الان- لرؤية رضيع ذكي يقبل النوم بروح رياضية ويسلم له متى جاء وقته لينعم بالراحة ثم يقبل الحياة ويستمتع ويلعب متى جاء وقت اليقظة تماماً كما يبكي معظمهم عند الدخول للاستحمام ثم يبكون مجددا عند الانتهاء منه.



تلك هي النظرة الامثل -في رأيي- للموت والحياة هي ليست حربا مع عدو كريه محتومة الهزيمة وانما كأنها لعبة يجب ان نتحلى فيها بالروح الرياضية عندما تُستنفذ خططنا وتخور قوانا في نهاية المباراة، فاللعب والاستمتاع والروح القتالية طيلة المباراة لاتمنع ابدا من التحلي بالروح الرياضية والاعتراف بالهزيمة ومصافحة الخصم في النهاية بكل ود.



لا يصح ان ننهي الحديث عن التصالح مع الموت وقبوله كرفيق الراحة بعد حياة متعبة ولا نتذكر الأهم: الإستمتاع بالحياة وملذاتها, وربما يخطر بذهنك عند سماع كلمة التمتع والملذات اننا نتحدث عن صورة الكفار او الاشرار كما تصورهم الافلام السينمائية, بينما الحقيقة -في رأيي- ان التمتع بالحياة هي من شيم القانع وليس الطامع، الزاهد وليس الجاحد. فالطامع الجاحد بكل نعمة ربما يغرق نفسه في متع الحياة ولكن ليس بالضرورة ان يستمتع ويسعد، فكيف لناقم طامع ان يتلذذ ويتنعم بما معه مهما كانت الملذات حوله؟ ربما تتضح لك تلك الفكرة ان كنت ممن يقرأ او يستمع لبعض المتصوفين الذين لا يدخرون جهدا او خجلاً في وصف تلذذهم واستمتاعهم بفطيرة ساخنة او كوب من العصير وكأنهم يتحدثون عن ليلة حمراء في احضان مومس حسناء. الحياة ايضا ليست حربا نلهث فيه وراء اطماع لاتنتهي هي ايضاً كالموت اشبه بمباراة او لعبة جماعية نشترك فيها كفريق لنستمتع ونسعد جميعا لا نطلب من الحكم ان يسرع بصافرته ولا نتوسله لمد وقتا اضافيا. نستمتع بها حتى اللحظة الاخيرة ثم نخلد للراحة ونستمتع بها بعد سماع صافرة النهاية.








1 comment: